محمد أبو زهرة

1420

زهرة التفاسير

أحد الملوك كلف كاتبا أن يكتب تاريخ دولته ، فسأل بعض أصحاب الكاتب عما يكتب فقال : « أكاذيب ألفقها وأباطيل أنمقها » . هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ الإشارة في النص السامي إلى ما تضمنته الآية السابقة من الحث على السير في الأرض وتعرف سنن اللّه تعالى من آثار المكذبين الذين طغوا أولا ثم ذلوا وأخذوا من حيث لا يحتسبون - وقد ذكر أن هذا بيان للناس أجمعين ، يدركه كل من له بصر يبصر به ، وفهم يفهم به ، وتحقق البيان لا يقتضى تحقق أثره وهو المعرفة التي تهدى إلى الإيمان وتوجب الاتعاظ ، إنما تكون الهداية من البيان والاتعاظ به للمتقين دون غيرهم ، ولذلك جعل سبحانه البيان للناس جميعا ، والهداية والموعظة للمتقين منهم فقط ؛ إذ إن الهداية بالبيان تقتضى إشراقا روحيا ، واستعدادا قلبيا ، وإخلاصا في طلب الحقيقة ، والموعظة وهي الاستفادة من العبر ، تقتضى قلبا متفتحا لإدراك الحقائق والاتجاه إليها بقصد سليم ، وذلك كله لا يتوافر إلا للمتقين الذين أخلصوا أنفسهم للّه ، وطلبوا الحق ، وسلكوا سبيله لا يبغونه عوجا ، ومثل البيان مثل البذر يلقى في الأرض ، فإذا أصاب صحراء قاحلة جف ولم ينتج ، وإذا أصاب أرضا خصبة أنبتت نباتا حسنا ، وقد مثل النبي صلى اللّه عليه وسلم العلم بالغيث وبين اختلاف الناس في تلقيه ، فقال : « مثل ما بعثني اللّه كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا ، فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء ، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكان منها أجادب أمسكت الماء فنفع اللّه به الناس فشربوا وسقوا وزرعوا ، وأصاب منها طائفة أخرى ، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ ، فذلك مثل من فقه في دين اللّه ونفعه ما بعثني اللّه به ، فعلم وعمل ، ومثل من لم يرفع رأسا ولم يقبل هدى اللّه الذي أرسلت به » « 1 » . وإذا كان اللّه سبحانه وتعالى قد بين هذا البيان فيجب على المؤمنين أن يعتبروا بسنن اللّه تعالى وأن يعرفوا أن ما أصابهم في أحد فبسنن اللّه ، وعليهم أن

--> ( 1 ) رواه البخاري : العلم - فضل من عمل وعلم ( 77 ) ، ومسلم : الفضائل - بيان ما بعث الله به النبي صلى اللّه عليه وسلم ( 2282 ) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وقد سبق تخريجه بألفاظه .